الشيخ محمد علي طه الدرة
198
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والتعبير ( ما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ) كناية عمّن أتى قبلها ، وأتى بعدها من الأمم ، والخلائق ، أو عبرة لمن تقدّم ، ومن تأخر . والتّعبير بمثل هذا كثير في القرآن الكريم ، وإن اختص كلّ موضع بمعنى حسب مقتضيات الأحوال ، واختلافها ، فمثلا قوله تعالى : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ في الآية رقم [ 255 ] ، ومثلها في الآية رقم [ 9 ] من سورة ( سبأ ) يفسر ما في هذه الآية ، وكذلك رقم [ 110 ] من سورة ( طه ) تخالف معنى قوله تعالى : لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا الآية رقم [ 64 ] من سورة ( مريم ) على نبينا ، وحبينا وعليها ألف صلاة ، وألف سلام . واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه . وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ : الوعظ : التخويف ، وقال الخليل : الوعظ : التذكير بالخير مما يرقّ له القلب ، قال الماورديّ : وخصّ المتقين بالذكر ، وإن كانت موعظة للعالمين ؛ لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين ؛ أي : لأنهم هم المنتفعون بها بخلاف غيرهم من المنافقين ، والفاسقين ، والكافرين . وقال الزجّاج : وَمَوْعِظَةً لأمة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينتهكوا من حرم اللّه ما نهاهم عنه ، فيصيبهم ما أصاب أصحاب السّبت ؛ إذ انتهكوا حرم اللّه في سبتهم . انتهى . ولا تنس قوله تعالى في سورة ( الذّاريات ) : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . هذا ؛ وأصل المتقين : الموتقيين بياءين مخففتين ، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وأبدلت الواو على أصلهم في اجتماع الواو ، والتاء ، مثل : اتصل ، أصله : اوتصل ، وأدغمت التاء في التّاء ، فصار : للمتّقين . هذا ؛ والتقوى : طاعة من غير عصيان ، وذكر من غير نسيان ، وشكر من غير كفران . الإعراب : فَجَعَلْناها : فعل وفاعل ، ومفعول به أوّل ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها ، وهو أقوى من العطف على ما قبلها . نَكالًا : مفعول به ثان . لِما : جار ومجرور متعلقان ب نَكالًا ؛ لأنه مصدر ، أو بمحذوف صفة له . بَيْنَ : ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول ، و بَيْنَ مضاف ، و يَدَيْها : مضاف إليه مجرور ، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة ؛ لأنه مثنّى لفظا ، وحذفت النون للإضافة ، و « ها » في محل جر بالإضافة . ( ما ) : معطوفة على ما قبلها بالواو العاطفة ، فهي في محل جر مثلها . خَلْفَها : ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول ، و « ها » : في محل جر بالإضافة . ( مَوْعِظَةً ) معطوف على نَكالًا . لِلْمُتَّقِينَ : متعلقان ب ( مَوْعِظَةً ) أو بمحذوف صفة لها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 67 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) الشرح : لمّا ذكر اللّه تعالى بعض قبائح اليهود ، وجرائمهم ، من نقض المواثيق ، والعهود ، واعتدائهم في السّبت ، وتمرّدهم على اللّه عز وجل في تطبيق شريعته المنزلة على موسى ؛ أعقبه بذكر نوع آخر من مساوئهم ، ألا وهو مخالفتهم للأنبياء ، وتكذيبهم لهم ، وعدم مسارعتهم لأوامر